قطب الدين الراوندي

463

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم . ثم ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وانه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأذنه على صحة من عقله وبقاء من لبه ، يفكر فيم أفنى عمره وفيم أذهب دهره ، ويتذكر أموالا جمعها وأشرف على فراقها ، تبقى لمن ورائه ينعمون فيها ويتمتعون بها ، فيكون المهنأ لغيره والعبء على ظهره . والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه . فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط [ لسانه ] ( 1 ) سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه ، يردد طرفه بالنظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم . ثم ازداد الموت التياطا [ به ] ( 2 ) ، فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الروح من جسده ، فصار جيفة بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ولا يجيب داعيا . ثم حملوه إلى محط في ( 3 ) الأرض ، فأسلموه فيه إلى عمله وانقطعوا عن زورته ، حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوله ، وجاء من أمر اللَّه ما يريده من تجديد خلقه ، أماد السماء وفطرها ، وأرج

--> ( 1 ) الزيادة من يد . ( 2 ) ليس « به » في يد . وفي نا : « به التياطا » . ( 3 ) في الف ، ب ، نا : إلى مخط . وفي ص ، م : من الأرض .